الحجاج البرهان و

كثيرا ما يقال أن حقل الفلسفة هو حقل توليد المشكلات وإثارة الأسئلة، وهو أيضا حقل تتواجد فيه الأجوبة بنفس قدر تواجد الأسئلة والإشكالات، غير أن طبيعة الجواب في الفلسفة مبرهن عليه، يقوم على الحجاج والمحاجة. وهو يتميز عن البرهان، لأن هذا الأخير يشكل خاصية للعلم، في حين يشترط الحجاج استهداف إقناع المتحاور أو المتلقي وإحداث أثر لديه، وبالرغم من هذا التمييز فإمكانية حضورهما معا في الخطاب الفلسفي واردة مع غلبة الجانب الحجاجي.

    إن الحجاج تقنية يستعملها الفيلسوف من أجل حمل/ دفع أكبر عدد من ممكن من المتلقين على قبول خطابه والاقتناع بآرائه، إنه عملية إقناعية تأثيرية بطريقة عقلية. من جهة، ومن جهة أخرى، الحجاج عملية تستعمل لدحض وتفنيد أطروحة الخصوم وذلك بإظهار ضعفها أو عدم صلاحيتها.

يحدد لالاند في قاموسه الفلسفي معنى الحجاج، وذلك بتقديم المعطيات التالية:

- المحاجة أو الحجاج: هي سلسلة من الحجج تنتهي بشكل كلي إلى تأكيد نفس النتيجة، كما يرى بأن الحجاج طريقة في تنظيم واستعراض الحجج أو تقديمها.

- الحجة: ويعتبرها بمثابة استدلال موجه لتشريع أو دحض قضية معينة، أو تفنيدها، ويرى من ناحية أخرى أن البعض ينتهي إلى اعتبار كل حجة دليلا.

- الدليل: إنه عملية توجه التفكير العقلي بصورة يقينية ومقنعة. وبذلك يتخذ الدليل صورة استدلال تصير فيه النتائج منسجمة مع المقدمات التي انطلقت منها. ويحيل الدليل من جهة أخرى إلى الواقع، ليأخذ من ثمة مضمونا ماديا تصبح بموجبه الوقائع والأحداث والوثائق بمثابة أدلة. ويتميز الدليل عن الأشكال الأخرى للاستدلال بميزة الحقيقة. إذ أن كل ما يحمل عليه يعتبر في غالب الأحيان حقيقيا.

- البرهنة: هي استنباط يوجه لتأكيد أو إثبات سبق نتيجة، وذلك بالاستناد إلى مقدمات معترف لها بميزة الصدق أو الحقيقة.

أما معجم فولكيي فيقدم لنا نفس المعطيات تقريبا التي وردت في قاموس لالاند، وإن كان يتوسع في ذلك، وتفاديا للتكرار نكتفي باستعراض مدلول الحجة أو الحجاج.

يعتبر فولكيي الحجة بكونها اعتبارا موجها لإثبات أطروحة أو دحضها، وبهذا المعنى ترادف الحجة الدليل، أو الاستدلال والتبرير.

      نسمي إذن حجاجا تلك الطريقة التي تسلكها الفلسفة في إضفاء طابع التماسك على ما تنسجه من مفاهيم تمنح للمعيش دلالته. وقد وظفها جيل غاستون كرانجي كمرادف للبرهنة الفلسفية، التي تكمن في الاستعمال المنظم للمفاهيم. والحال أن هذا الاستخدام إذا جرد من قصده الفلسفي، أي إن لم يراع فيه القصد الذي ينشده التفكير الفلسفي، فإنه سيصير مطابقا للتقنين أو التعقيد المنطقي. إلا أن هذه المطابقة ليست في الواقع إلا مظهرية، الشيء الذي يستوجب البحث عن دواعي استخدام الحجة والدليل، وكيفيات تمظهرهما في الفلسفة في موضع آخر غير المنطق.

وأول ميزة تنفرد بها الحجة في الفلسفة هي ميزة التبرير. لكن ينبغي التمييز بين التبرير الفلسفي وكل أشكال إقامة الدليل في مجالات المعرفة الموضوعية بصفة خاصة. هذا التمايز ينبغي تدقيقه نظرا للاعتبار الآتي: إذا كان نمط أو شكل التعبير، يحظى بأهمية ما في المعرفة الموضوعية، فإنه لا يشكل مع ذلك جزءا محايثا لعملية التصديق أو الإثبات فيها. إنه من الممكن دائما الفصل في هذه المعرفة بين محمول البرهنة وموضوعها، وبتعبير كرانجي نفسه، الفصل بين الجهازين البلاغي والتحليلي فيها. هذا الفصل الذي تقتضيه طبيعة هذه المعرفة من جهة، مثلما تقتضيه ضرورة تبليغها من جهة ثانية.

لكن هل يمكن أن يتم ذلك في مجال المعرفة الفلسفية؟ الواقع، أنه في الفلسفة لا يمكن الفصل بين ما يقال والشكل الذي يقال به، بين ما تحمل عليه هذه المعرفة الفلسفية، والطريقة التي تحمل بها عليه. وحتى إذا أمكن القيام بهذا الفصل فإن هذه المهمة تبدو صعبة جدا. ومن هنا فإن التعاطي للمعرفة الفلسفية كنتاج مجرد ومتخارج عن المؤلفات الفلسفية، أمر غير ممكن في الوقت الذي يكون فيه التعامل مع إنتاجات العلماء بمعزل عن مذكراتهم أمرا ممكنا. والأكيد أن هذا الارتباط بين الموضوع والمحمول، هو بالضبط ما يشكل خصوصية الفلسفة، وما يمنح للحجاج وللمفهمة وضعهما المتميز والمنفرد داخل الخطاب الفلسفي.

نسجل إذن أن الاستدلال الفلسفي يتميز عن أشكال الاستدلال الأخرى الواردة في الخطابات والمعارف غير الفلسفية، خاصة منها المعرفة العلمية. ويتميز الاستدلال الفلسفي بكونه لا يقبل الاختزال في فعل البرهنة أو الإظهار والإبانة أو لربما حتى في فعل الوصف.

البرهنة في الفلسفة إذن ليست هي نفسها في مجال العلم حيث تتخذ صيغة رياضية منطقية تترابط فيها النتائج مع المقدمات بشكل فرضي استنباطي، أو نزعة تجريبية تخضع فيها الفرضيات لمبدأ التحقق التجريبي. إن ما يحيل إليه الاستدلال الفلسفي ليس هو مواضيع محددة تستمد منها المفاهيم بصفة مباشرة، وتنطبق عليها هذه الأخيرة انطباقا وثوقيا. إن الأمر في الفلسفة يتعلق بالإفصاح والإظهار وليس بالمطابقة. على أساس ألا نرى في الإظهار إشارة أو تعيينا لموضوع ما، قابل للإمساك والامتلاك. إن فعل الإظهار في الفلسفة ليس مجرد مرآة تنعكس عليها المواضيع، إنه لا يتجه مباشرة إلى مواضيع، بنفس الشكل الذي يتجه به إليها مجرد الإدراك والتمثل، بل يتجه نحو فعل ما، يتعين على المتلقي أن ينتجه لنفسه ولفائدته. إن مجاله هو مجال الدلالة، لذلك يأتي الخطاب الفلسفي دائما كخطاب من مستوى ثان، أي كخطاب واصف إن الاستدلال الفلسفي إذن، ليس استدلالا من نمط المنطق الصوري، وليس مجرد عمليات منطقية يمكن تشغيلها باستقلال تام عن أية إحالة موضوعية. إن اعتقادا من هذا القبيل يجعل من الاستدلال الفلسفي صورة للاستدلال المنطقي والرياضي، ينتهي إلى تجريده من كل علاقة بالمعيش؛ إنه يجعل منه استدلالا قادرا على أن يحمل على كل شيء وعلى لا شيء في نفس الآن. إن ما يميز الفلسفة بالضبط هو نزوعها أو ميلها إلى النطق بالمعيش في شموليته. إنها لا تصل في مرجعيتها إلى موضوع معزول ومقتطع من تجربة معينة، بقدر ما تحيل على تلك التجربة في كليتها وشموليتها.

إن ما نستنتجه مع جيل كاستون كرانجي من خلال مقاربته للحجاج الفلسفي يمكن صياغته حسب الشكل الآتي: "إن الفلسفة معرفة بدون مواضيع، وأن مسلكها الحجاجي لا يقوم على البرهنة، هكذا يكون الوصف الصائب للفلسفة. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الأخيرة لا تنطلق من مبادئ صريحة ومعبر عنها، ولا تقود إلى أية حقيقة. وبالتالي ينبغي التأكيد على أن الأمر لا يتعلق هنا بميل إلى التشكيك أو الريب، بل يتعلق على العكس من ذلك بأنه من الممكن أن تحفظ للتفلسف مصداقيته وللفلسفة جدواها، وفي نفس الوقت استبعاد ذلك الاعتقاد الذي يطابق بين الفلسفة/التفلسف وفرض فكرة مذهبية معينة، وذاك الذي يفرض الاعتقاد بإمكان قول كل شيء في الفلسفة".

إن الفلسفة إذن لا تتخذ في صياغتها الحجاجية البرهان أو البرهنة بالمعنى الذي يتم في العلم، وبالتالي فإن استدلالها لا يتخذ نفس الصورة التي نصادفها في أنماط الاستدلال المتداولة في نطاق المعارف الأخرى.

وإذا أكدنا سابقا على أن ارتباط الفلسفة باللغة، واستناد الخطاب الفلسفي إلى مختلف مكوناتها في تشييد أنساقه وبناء قضاياه، فإن ذلك يستلزم أن نتحدث عن الحجاج بمفهومه الواسع: أي أن نستحضر البلاغة وأشكال التعبير المختلفة التي تجود بها اللغة، ثم المنطق وجميع طرق التفكير والاستدلال التي توظف في الفلسفة، لكن بمراعاة خصوصية هذه الأخيرة.

    إن استخراج البنية الحجاجية إذن وضبطها، والاشتغال بها كأداة ووسيلة داخل الكتابات الإنشائية الفلسفية، يعد كفاءة منهجية تقتضي التدريب والتمرين والعمل الجاد، لأنه لا يمكن الحديث عن أي اشتغال في الفلسفة، وعن أي تفلسف بدون تملكها.


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire